فانتازيا الواقع في واقعية فانتازية

 

كلما بدت السماء قريبة!

كلما بدت الأرض بعيدة!

 

طراد الكبيسي

 

قراءة "نصية" في رواية : "كم بدت السماء قريبة" لبتول الخضيري

 

منذ فترة لم أستمتع برواية بهذا القدر من المتعة/ وليس شرطاً بالطبع، أن تكون كل رواية (عظيمة) ممتعة. ولا كل رواية ممتعة عظيمة/ وترجع هذه المتعة، وربما، إلى جملة أسباب:

 أولها: أن الرواية ذات منحى سيري. والسيرة: مكان أو أمكنة، واجتماع وثقافة وصلات وجدانية…، واستعادة (الماضي) قد تكون مثيرة للمتلقي أكثر من الكاتب نفسه، خاصة إذا كان للمتلقي، صلة بالمكان والمناخ الروائي: الكاتب يسترجع ويكتب، لكن المتلقي يفاجأ وكأن كل ما يقدم يتلقاه أول مرة بعد أن نسيه، فالدهشة، إذن، من نصيب المتلقي لا الكاتب.

الثاني: هذه البلاغة الشعرية الجميلة في السرد والتصوير وإدارة الحوار وتداخل الخطابات والانتقال بينها بعفوية وسلاسة مما يؤكد مهارة تقنية عالية لدى الكاتبة، فضلاً عن تملك الكاتبة ثروة لغوية وخزيناً شعبياً ثراً، وقدرة مميزة في اختيار وانتقاء الألفاظ ووضعها في مكانها المناسب.

الثالث: أن الرواية تطرح موضوعاً ليس جديداً في الرواية العربية، لكنه تجربة ذاتية-أو هكذا يحسها القارئ، فيها قدر من الفرادة غير قليل.وأعني بالموضوع، تجربة معاناة الحياة في عالمين مختلفين، أو ما يسمى: لقاء أو صدام الحضارات: الشرق والغرب. أي بين أب شرقي وأم غربية، حيث دائماً صدمة اللقاء أو الصراع تقع في الطفلة: الطفلة من يتحمل كل ثقل هذا الصدام: الأب يريد شيئاً، والأم تريد شيئاً مختلفاً. وهكذا نجد الطفلة-والشابة فيما بعد- بين شد وجذب. بين مجموعة مختلفة متناقضة من الأوامر والنواهي لا تدري أيها تأخذ، وأيها تدع، ولا إلى أية "أخلاقية" تنتمي، أو يجب أن تنتمي: غريبة حيث تريد الأم الأجنبية (الإنكليزية). أم شرقية (عربية) بل (عراقية) حيث يريد الأب!

    وسبب رابع لهذا الاستمتاع، هو، أن الرواية هذه بقدر ما هي واقعية، رواية فانتازية، أعني تحويل الواقع إلى ضرب من الفانتازيا، أو هكذا يبدو. سواء كان ذلك في نمط المعيشة في (الزعفرانية) أو بغداد (الكرادة)، أو في مناخات الحرب (العراقية الإيرانية) أو مناخات لندن والتسكع في أحيائها وحارتها: كنسنغتون، سوهو، ميدان الطرف الأغر…الخ. وهكذا وصف الحرب-1991 عبر وسائل الإعلام الغربية، أو من خلال رسائل صديقتها "المدام".

    إن للروائية قدرة هائلة في الوصف والغوص إلى أعماق ودقائق الأشياء، سواء تفاصيل الحياة اليومية في العراق ولندن، أو ما يقع تحت بصرها، فضلاً عن قضايا أنطولوجية كعلاقة الفن بالحرب، والموت والحياة والحب، مما سنأتي عليه لاحقاً.

    وبناءً على ما تقدم تقص سيرة حياتها منذ أن كانت طفلة حتى سن الثلاثين.

 

(ثانياً): رواية حرب: حيث أن ثلثي زمن الرواية-وهو عمر البطلة-تستغرقه الحرب (حرب الخليج الأولى، حرب الخليج الثانية) وثم انعكاسات الحرب عليها) ذاتياً-عاطفياً-وعائلياً واجتماعياً.

(ثالثاً): رواية استشراقية: من حيث التقاء أو تنافر أو تصادم حضارتين: غربية وشرقية، ممثلاً هذا التصادم-كما قلنا-بالأم (الإنكليزية) والأب (العراقي). أما نقطة تصادم القطارين فهي: (الابنة-البطلة-الراوية). تقول مخاطبة والدها: "خلافكما أدى إلى اختلاطي بالعالمين، ماعدا البيت الذي كان في حد ذاته عالمين" (ص 13).

    أما من الناحية الفنية فيمكن وصف الرواية بأنها:

(أولاً): رواية أسطرة الواقع، أو الفانتازيا الواقعية، أو الواقعية السحرية-إذا شئنا استعارة المصطلح الذي اصبح خاصاً بالرواية الأمريكية اللاتينية.

(ثانياً): رواية التوازيات بمعنى أن البنية الروائية تقوم على أنساق الخطابات المتوازية-كما سنأتي لاحقاً.

(ثالثاً): رواية النهايات المفتوحة، أو النص المفتوح…فبقدر ما تبدو الرواية ذات بعد محلي، ذات بعد كوني، وبقدر ما تبدون الأشياء (السماء) قريبة، تبدون بعيدة. وبقدر ما يتموضع النص في حدود السيرة-المكان، ينفتح على الآخر والعالم، ويتواصل السرد عبر حركة الباص (ص27).

 

    وإذا لم تكون للكاتبة تجربة روائية سابقاً فإننا نفاجأ بروائية تولد روائية دون تمهيد مسبق وخرقاً للعادة، حيث العادة هي أن معظم المبدعين/شعراء وروائيين/يبدأون بأعمال يمكن وصفها بالابتدائية أو التمارين الأولية.

    أقول: روائية تولد روائية بكامل عدتها، مثل كائن يهبط من الفضاء، أو مثل شهاب يطلق نحو السماء، وسواء بدت السماء قريبة، أوبعيدة، فنحن ازاء روائية تمر من بوابة عشتار بكامل أناقتها!

 

    زمن الرواية: يستغرق زمن الرواية-إذا أخذنا بعمر البطلة/الرواية: (خريف آخر وعامي الثلاثون يوشك على الانتهاء) (ص 200) هو الزمن الذي يستغرق (30 عاماً) الأخيرة من تاريخ العراق (70-1999) السنوات العشر الأولى: (70-80) هي حصة الطفلة من المعاش في الريف أو شبه الريف (الزعفرانية)-جنوب بغداد-وربما بعضاً منه في بغداد-وفي جو من التناقض العائلي في تربيتها: أم أجنبية وأب عراقي. تقول الراوية مخاطبة والدها: (لم تتمكن أنت من منع أمي من إرسالي إلى تلك المدرسة، مدرسة الموسيقى والباليه)، وهي بالمقابل لم تفلح في إقناعك بعدم السماح لي بالنزول إلى المزرعة) (ص 13).

    في السنوات العشر الثانية تأخذ نصبيها  من تبعات الحرب (العراقية-الإيرانية) أو (حرب الخليج الأولى) كما اصطلح الغرب على تسميتها، ثم اتساع شقة الخلاف بين الزوجين-ووفاة الأب.

    أما السنوات العشر الأخيرة فتنتقل فيها مع والدتها المريضة بسرطان الثدي إلى لندن. لكن حرباً أخرى هي ما سمي بـ (حرب الخليج الثانية)-1991-تلقي بظلها عليها-ولو من بعيد-عبر وسائل الإعلام ورسائل صديقتها، ثم حرب أخرى، هي حرب أمها مع مرضها الذي يقضي عليها في النهاية.

    ومعلوم-هذا الزمن (عمر الثلاثين عاماً) الذي هو كما يصفه معظم الباحثين النفسيين والاجتماعيين..الخ بأنه مرحلة الطفولة والشباب-أشد سني الإنسان التصاقاً وتأثيراً فيه-ان لم نقل أنها هي التي تشكله في نهاية المطاف وهي المعين الذي يظل يعود ويمنح منه باستمرار. كما أنها-أي أحداث الثلاثين عاماً- هي ما شكل بنية الروايلة: انساقاً، وخطابات، وتضادات، وأفكار..الخ، كما ستلاحظ.

 

    نظام التوازي: تقوم الرواية في بنيتها الأساس على نظام توازي المتضادات:

(أولاً): عالم الطفولة: الطفلة/ الرواية/ بنت البرجوازية// صديقتها الطفلة خدوجة بنت الفلاحين.

(ثانيا) عالم الريف (الزعفرانية) // عالم المدينة (بغداد).

(ثالثاً): عالم البياض: الأم البيضاء، وكل ما هو أبيض مثل الحليب والصودا وأزهار المشمش // العالم البني-التراب وكل ما هو هش كالفخار. تقول:

"الربيع في مزرعة المشمش، لولاه لكانت طفولتي مع خدوجة ترابية كلها..أكثر لون يحضر حين أذكرها هو لون التراب، مياه النهر الطينية، أوحال السواقي، بيوت اللبن المرقع بالقش..."تنور" الخبز. من طين ذي تدرج فهوائي باهت. أواني فخارية. "حب" الماء الطيني. ذرات التراب في كل مكان. هذا الغبار الذي يغطي عباءاتهم السود، ملاءاتهم، أثاثهم، أبقارهم، بل ووجوههم، كأنه سحر حيويتهم..كل شيء بلون التراب، حتى بشرتهم سمراء كالطين. ينتمي الجميع إلى العائلة البنية ذاتها. صبغة يتوارثونها بديمومة مثيرة." (ص 34-35).

(رابعاً): الخلق الفني: مدرسة الموسيقى والباليه + متحف الفنان سليم // حرب الخليج الأولى + موت الأب وعالمه مع العطور والمطيبات + تدمير النحات لمتحفه. يقول: (في الماضي، كنت أعرف في حياتي شعوراً يسمونه إشراقة الإبداع، أما الآن، فلا أجد غير دقائق انتعاش قصيرة في صراع مع الزمن يشبه صحوة الموت) (ص 146) + بداية صراع أمها مع المرض.

(خامساً): معاناة الأم لاستفحال مرض السرطان ثم موتها // حرب الخليج الثانية + فشل تجربة الحب مع "آرنو".

 

ولكن هذه العوالم والتوازيات المتضادة، لا تسير دائماً في خطوط مستقيمة، فغالباً ما يكون الخط منحنياً، فيتصادف أن يلتقي عالمان، حيث يشكلان عالماً ثالثاً-أي خليطاً من العالمين المتضادين في نفس الرواية. مثل: عالم طفولة الرواية الذي هو مزيج: غربي-شرقي. وكذلك  الأخلاقيات التي ورثتها أو أخذتها من الأبوين معاً. بمعنى أن اختلاطها بعالمين، مكنها من الاستفادة من فضائل –وربما من بعض سوءات-العالمين معاً!

 

الشخصية الرواية: رغم أن هناك شخصيات الأم، الأب، خدوجة، النحات، آرنو، المدام...إلا أننا يمكن أن نصف الرواية بأنها ذات الشخصية المركزية الواحدة: الرواية. وهذا يمنحها صفة الرواية السيرة من جهة، وصفة الحكاية من جهة ثانية. فالرواية هي التي تحكي حتى الحوارات التي تدور بين الشخصيات الأخرى، هي من يريها-باستثناء الرسائل التي تردها من بغداد.

    وبقدر ما تطبع مركزة الشخصية، الرواية بالذاتية: بعداً ورؤية وتحليلاً للوقائع والأحداث ومجريات حياتها وما يلابسها، لكنها من جهة أخرى، وبالقدرة الفائقة والمتميزة للرواية على تلوين السرد ومواصلته، أكسبت الرواية عنصر الموضوعية، والتشويق المهم بالنسبة للمتلقي من خلال أسطرة الواقع وإسباغ قدر كبير من الدهشة الشعرية في تصوير الأشياء وإحضارها. حتى أنني، وأنا من عاش الحربين (الخليج الأولى والثانية) بكل تفاصيلها ودقائقها اليومية، وما تزال حية في الذاكرة، أكاد أحسها وكأنها حدثت في عالم آخر. خذ-مثلاً-هذه الأوصاف التي تلتقطها من وسائل الإعلام:

v               "كانت خارطة العراق تحت القصف النار تشبه شجرة عيد ميلاد مضاءة" (ص 160).

v               أو ما أطلق عليه بـ (القصف السجادي): "ترسل تلك الحيتان العسكرية لتفتح أسفل بطنها في الهواء، فتسقط متفجرات تدمر أكبر مساحة ممكنة من ساحة العمليات، كأنها تتعاون على فرض سجادة قاتلة" (ص 161).

         §         أو: "الجحيم علبة انفتح غطاؤها".

إن للروائية-بتول الخضيري-حساً وذاكرة عجيبة بالمكان، لا من حيث هو طوبغرافيا، بل من حيث هو طوبولوجيا بالدرجة الأولى. وليس من جانب إحساسها هي بالمكان حسب، بل وإحساس الآخرين به، حيث تلتقط هذا الإحساس وتقدمه كما لو كان إحساسها هي. وبالإضافة إلى ما مر ذكره عن لون التراب والبنية البنية لعائلة خدوجة، نلاحظ هذا الإحساس بالمكان من خلال أغاني الطفولة والمعتقدات الشعبية وغيرها، مثلاً:

         §         تخاطب الأب والأم وعن نفسها: (لم تنته من قصة إيقادك إصبع بخور كل جمعة. وإشعالها شمعة كل يوم أحد. تدخن هي قبل الفطور، ولا تغسل أسنانها إلا بعده. أما أنت فتفضل مضغ علكة…أنا ألم النبق في دشداشتي، ثم أجلس تحت الشجرة أكله بمفردي).

         §         وتقول: (سحر الشط يجرنا إليه رغماً عنا. حتى اضطروا إلى إخافتنا بأسطورة "السعلوة" التي تخرج من الماء لتبتلع الأطفال. تخيلت هذه "السعلوة" الخرافية بثدي واحد يتوسط صدرها. لم أضع ملامح أخرى لها في كوابيسي غير ذلك الثدي). (ص 33).

         §         وهذا الوصف الدقيق المعبر لبيوت أهل خدوجة: (المنظر الخارجي لتلك الكتل الطينية الثلاث المركونة عند حافة النهر، يوحي بهياكل منسية قد تشعر الرائي من بعيد بإحساس الـ "لا شيء". لكنها كانت لي كل شيء. كنت أرقبهم..يبنونها بعلب السمن الفارغة. يصفونها طابوقاً من معدن، يحشون الفراغات باللبن والطين، ثم يسدون الفجوات والزوايا بأنواع مختلفة من علب الحليب الجاف وقناني قديمة وقطع حديد مستهلكة، عندما تسقط سهواً لطخة طين عن الجدار، تظهر كلمة "نيدو" أو وجه فتاة علبة "زيت البنت")( ص23).

الفنان الموهوب ليس هو من يتناول الأشياء المألوفة التي يراها كل أحد، ويقدمها كما يراها كل أحد. بل هو من يتناول الأشياء المألوفة، والتي قلما ينتبه لها كل أحد، ويقدمها كما لو كانت غير مألوفة ويراها الناس لأول مرة.

            والروائية الخضيري-لم تقدم غريباً غير مألوف، سواء ما يتصل بمرحلة الطفولة في الريف (الزعفرانية)، أو الانتقال إلى البيت الجديد في بغداد: (..في الرصافة، في المدخل السابع من شارع العطار، باتجاه محطة تعبئة نفط أبو قلام)!. أو تداعيات الحرب في العراق، أو بعد انتقالها إلى لندن وعلاقتها مع صديقها آرنو…والمشاكل بين الأبوين من ثقافتين مختلفتين..الخ. لا شيء غير مألوف، أو غير معروف، لكن الكاتبة تلتقط من هذه الأشياء المألوفة، ماهو، غالباً، غير مثير للانتباه، وتمرره أمام أبصارنا-كقراء-مثل شريط عجائبي وبإيقاع سريع. ومن هنا فإنها غالباً ما تترك الأشياء تفصح عن أفكارها، متحاشية، أي الرواية-أن تتخذ موقع الواعظ أو الفيلسوف.

            ومن هنا، أيضاً، نرى أن شعرية الرواية تتجلى في العناية بهذه الأشياء اليومية والتي نادراً ما تثير عناية أو انتباه أحد لشدة ألفتها، لكنها عبر السرد ومن خلال بدائع الوصف وتشكيل الصور، تفجر فيها شعرية اللامألوف.

            خذ مثلاً هذا الوصف الشعري لمقهى ورواده في أحد أحياء لندن: "ثمة مقهى يلتقي فيه الشباب الأجانب من كل بلد، طراز، لهجة، لون، مستوى ثقافي، مادي، ديني، حتى أطلق على المنطقة "حي السحالي" لشدة زحمتها، وخاصة عندما تطل شمس لندن البخيلة بين أسبوع وآخر فقط، يخيل إلي أن كل شخصين يشتركان في ظل واحد على الأرض يتبعها في مشيتهما"

            وهكذا وصف شباب هذا الحي:

"صوت قبلة جعلني ألتفت. الشباب يتمشون وبعضهم يقبل بعضهم الآخر في الشارع. أزواج سك تعلقت ببعضها من أفواهها. الأفارقة يجرون خلفهم مؤخراتهم المشدودة بإيقاع خفي. الفرنسيون يتناولون جبنة من حليب الضفادع بكل أناقة وحداثة. طالب من أب أندنوسي وأم نرويجية، يرتدي عقداً من جماجم صفر بحجم الأظفر، يغازل ألمانية فستانها بجمال ذنب طاووس وصوتها بقبحه" (ص 154).

            ويمكن ملاحظة الإيقاع السريع للسرد وكأن الرواية في عجلة من أمر تدوين ما تريد خشية فقدانه أو ضياعه في زحمة الأحداث والألوان وغياهب الذاكرة.

            وفي ضوء ما تقدم-وما يلي- يمكن القول من الناحية اللغوية والتصويرية، أن الرواية كتبت بنفس شعري لا مثيل له إلا في النادر من الروايات العربية المعاصرة، على مستوى الوصف والعناية بالأشياء وتفاصيلها الصغيرة، واستثمار مخزون الذاكرة من أغان ومعتقدات شعبية…الخ. خذ مثلاً-هذا الوصف لحركة الأيدي وتعبيراتها في متحف النحات:

"…تزحف أيد مصنعة من جبس أبيض، بعضها مغطى بتراب السكون. يدان تتصافحان. يد متمرة وأخرى مسترخية. يد ترفع إشارة النصر، أخرى تنزف. الثالثة تتسول. يد تتضرع، يد على شكل قبضة غامضة، يد تفكر، أخرى تلعب، يد تعبت من الانتظار. قطعة ورق مكتوب عليها "دراسات" بجانبها يد تفيض حنانا" (ص 121).

            أو وصفها لأحد التماثيل:

"جذبني ثانية التمثال الخشبي فاقد هوية الرجولة والأنوثة أو ربما جامع الاثنتين معاً" (125).

    وهذا الوصف الكاريكاتوري لأحدهم معاً يذكرنا برسالة التربيع والتدوير للجاحظ:

"إنسان مربع بدون محيط. ليس له طول ولا عرض، مساحة من هلام. تسترخي طيات جسمه بكسل، الواحدة فوق الأخرى، كأنها مدرجات تشكل من الأعلى رقبة بدون أبعاد" (182-183).

    ثم هذه المطابقات عن الساعات الأخيرة من بدء عدوان التحالف على العراق-1991-:

"خط النهاية هو منتصف الليل بتوقيت أمريكا، الساعة الخامسة فجراً بتوقيت أنكلترا. الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت العراق. الأميركان يربطون شرائط صفراً حول أشجار البلوط شارة تمنى عودة أولادهم من المحنة المتوقعة. العراقيون يربطون شرائط خضراً على شباك الحسين يستدعون الحفظ من رب العالمين. تقوم في أبرد شهر، أبرد حرب في تاريخ العصر" (158).

    هذا فضلاً عن استدخال بعض أغاني الحرب العراقية-الإيرانية المشهورة، مثل: (إحنا مشينا، مشينا للحرب..) ومثل: (أنا أمك، كانت لي الكاع، وأنت وليدي..)..الخ (91).

 

    وفي الختام أود أن أشير إلى قضايا أثارتها الرواية، ولا أجد من المناسب تجاوزها. ولم أجد فرصة للتعرض لها فيما تقدم:

    أولاً: لم تكن الصدمة الحضارية-إن جاز القول-التي تلقتها الروائية وهي طفلة باختلاط عالمي الأم والأب، هي الوحيدة. بل تلقت، وهي شابة، الصدمة الثانية في علاقتها مع (آرنو) التي دفعت ثمنها، إجهاضاً لحملها. مؤكدة على أن المشكلة، أو سوء الفهم، في هذه العلاقة، يرجع إلى: "اختلاف نوع مشاكلنا) (198).

وبالتالي فإن اللقاء كان لقاء أغراب، وهكذا الافتراق، افتراق أغراب! (ص 198) وكأنها تؤكد المقولة: الشرق شرق والغرب غرب مهما امتدا لا يلتقيان، على أن البشاعة في هذه المسألة الأخلاقية تتمثل في قولها وهي تغادر المقهى، وتقصد آرنو: (تركت خلفي في المقهى سحلية أخذت تتقمص دور الخنزير) (ص 198).

    ثانياً: وفي هذا الإطار، أي عندما يبلغ الإحساس بالاغتراب مداه، يفقد الإنسان إحساسه بالانتماء لأي شيء، إلا إلى ظله جسده الذي يرافقه ما دام حياً-كما تقول الأم. الأم التي كانت شديدة التشبث بأن تربي ابنتها حسب أخلاقيات الغريبة. لكنها تفقد تحت وطأة المرض والشعور بالإخفاق الكامل لحياتها، والشعور بالإثم أيضاً، بعد أن (تركت الرب في كنيسة صغيرة في أطراف لندن) والتحقت بزوجها في الشرق. هذه الأم تفقد كل إحساسها بالانتماء لأي شيء سوى ظل جسدها تقول مخاطبة ابنتها:

"لم أعد أنتمي إلى هنا. عندما غادرت إنجلترا حينها قررت أن أحاول الانتماء إلى الشرق. لكن لم أنجح في انتمائي إلى الشرق رغم كل محاولاتي. الآن وقد عدت ثاني، أجدني لا أستطيع الانتماء من جديد إلى موطني الأصلي، كل شيء مختلف" (ص 166-167).

    وقالت مضيفة، بابتسامة عزاء يائسة:

"إنها فكرة بلهاء، قضية الانتماء، فنحن لا تنمي إلا لظل أجسادنا التي ترافقنا، ما دمنا أحياء" (167).

    ثالثاً: تقيم الكاتبة-كما قلنا-توازياً بين عملية الخلق الفني وعملية الهدم (الحرب). ومن خلال تجربتها في مدرسة الموسيقى والباليه، وثقافتها في الفن التشكيلي وتعرفها على الفنان النحات سليم…تجد نفسها في (مفترق خيالات). أي في وضع يشبه ذاك التمثال الخشبي فاقد الرجولة والأنوثة، أو ربما جامع الاثنتين معاً. بمعنى: لماذا نخلق ولما نموت؟ لماذا يجتمع فينا الخلق والموت في آن واحد؟ لماذا نخلق ثم ندمر ما خلقناه؟ ولماذا-بالنهاية-نسلم أنفسنا إلى الخدع في أننا سوف نستعيد زمناً أحرقته الحرب؟

    ذاك ما عبر عنه النحات سليم بقوله. (هذه الحرب جعلتني أفكر لماذا أنحت؟ لم أعد أسأل لماذا نعيش ولماذا نموت. هذا النوع من التساؤلات يرافق سنوات الحرب الأولى فقط، فبعد أن أفقنا من الصدمة، تبلور اليقين بأنها عجلة من نار لا مفر منها، والآن أجدني أبحث عن خدعتي. هل أستطيع أن أفلت بنحتي؟!. (ص 134)

    ثم يضيف قائلاً جواباً عن سؤالها: هل ستفلت بنحتك؟

    يقول: (لا أعلم لماذا أنحت. ألكي أخلق بيدي نماذج حياتية، حتى لو كانت جامدة، لكنها من صنعي أنا؟ ألأنها أشياء تشعرني بأنني أملكها. لأن عيني فقط هي القادرة على رؤيتها عندما يكون الطين كتلة صماء، فأزيح عنها الزوائد لتستحيل امرأة أحلامي مثلاً؟! همل هي لعبة خلق، أم تملك، أم هروب؟ أم لعبة أنانية مع الذات ليس إلا؟ كل هذه الأسئلة تزيد الدوامة القادمة تعقيداً؟! (ص 135).

    لكن هذه الدوامة تقوده في الآخر إلى تحطيم كل شيء: (نصف تماثيله تحطمت تحت مطرقته..) هكذا هي الحرب: قال: (-في الماضي كنت أعرف في حياتي شعوراً يسمونه إشراقة الإبداع. أما الآن، فلا أجد غير دقائق انتعاش قصيرة في صراع مع الزمن يشبه صحوة الموت) (146).

 

    وأخيراً، ورغم كل شيء، نقوم كما قالت الحكماء-حكماء الشعر وبالبلاغة وحسن الأداء- ليس المهم ما تقول، بل كيف تقول. ورحم الله الجاحظ أيام قال: المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في جودة اللفظ وصفاته وحسنه وبهائه وفي صحة السبك التركيب…الخ، أي كيف تجعل من الأشياء التي يعرفها العجمي والقروي والبدوي، جديدة، مدهشة وكأنه يراها لأول مرة. وذاك ما وجدناه في هذه الرواية الجميلة.