«كم بدت السماء قريبة» لبتول الخضيري

إيقاعات الإنسان في قوته وضعفه

 

 

جنان جاسم حلاوي

 

للمرة الأولى في تاريخ الأدب العراقي نقرأ تفاصيل حميمة غنية تخص مواطنة بريطانية عاشت في العراق، ويعود تردد كتاب العراق أو إحجامهم وابتعادهم عن تناول شخصيات بريطانية في إبداعاتهم إلى عدة أسباب منها: انعزال البريطانيين وعيشهم في كانتونات استعمارية خاصة بهم، أشبه بأبراج عاجية ينظرون من خلالها إلى العراقيين كما لو أنهم كائنات متخلفة لا تستحق غير اللعنة أو الرثاء، فكانت هوة عميقة جعلت من الصعب التعرف على بيئتهم والعلاقات القائمة بينهم، وثانياً تأثير الفكر السياسي (الماركسي والقومي) خاصة على أعمال الكتاب، الذي جعل الكفاح السياسي ضد المستعمرين البريطانيين آنذاك مهمة أولى وأخيرة، فالبريطانيون تواجدوا في العراق، مذ احتلوه أوائل القرن الماضي بقوة مدافعهم، جنوداً وجنرالات وخبراء تعذيب ثم جواسيس ومستشارين للملك وموظفين في شركات النفط وعلماء آثار، ترافقهم صفتهم الاستعمارية باعتبارهم حاكمين بالقوة شعباً (همجياً!) يحق لهم نهب ثرواته وقتل من يعترضهم من الوطنيين، لذا لم يتعامل معهم الكاتب العراقي كأفراد وإنما كتلة واحدة سوداء غاشمة ظالمة استغلالية عدوة (وهي كذلك في كل حال)، وفي سياق نضالي تحرري.

نعود إلى بتول الخضيري وروايتها (كم بدت السماء قريبة)، فتفاجئنا لأن عملها البكر هذا يعتمد على شخصية بريطانية وهي حالة غير مألوفة كما أسلفنا، وثانياً يجيء قوياً ومهماً من مؤلفة غير معروفة في الذاكرة الأدبية العراقية، كرست نفسها وبعملها الأول هذا كونها واحدة من أبرز الروائيين العراقيين.

تملك الخضيري لغة جذابة في تلوين السرد، وحبك المشاهد، وتوهيج الجمل ورصد المفارقات والطرائف بلا تكلف، وتفصيل كل شيء بأشكاله المتغيرة بألوانه وكثافته وحركته وخصائص تأثيره مما أغنى النص بسياقات انطباعية ذات حساسية شعرية.

يقرب هذا العمل من المذكرات (على حد زعمي وتخميني!) فالرواية تتحدث بصيغة المتكلم، وتخاطب أباها بصيغة المخاطب بينما تأخذ أمها صيغة الغائب في كل صفحات الكتاب. الأب عراقي والأم بريطانية، تزوجها عندما كان يدرس في إنكلترة، ثم أتى بها إلى (الزعفرانية، ضاحية قريبة من بغداد). في ذلك المطرح الريفي وتحت شدة الحر العراقي يتفجّر الصراع بينهما، صراع بين عقليتين مختلفتين: شرقية وغربية، بما تحملانه من ثقافة وتقاليد وموروث ووجهات نظر وحتى التأقلم مع الطقس الحار. فالأب يؤكد على عقلانية ما في تربية ابنته (الراوية نفسها) كالاختلاط مع فلاحي مزرعتهم لترسيخ وضع طبيعي لها في بيئتها العراقية، بينما تصر أمها على احتقار الفلاحين، بل كل من يحيط بها من العراقيين، محذرة ابنتها من الاختلاط بهم وتناول الطعام معهم واللعب مع أولادهم، كما وأن التباين ذاته يبرز في البيت بين طبعين (عراقي وبريطاني)، ليتفجر في النهاية بصيغة مشاجرات لا تنتهي:

«أمي تأكل الفطيرة الإنكليزية بعصير الليمون والسكر، وأنتَ تأكل قيمر مصلحة الألبان مع العسل المحلي. هي تغسل وجهها بقطعة من قماش مبللة بماء دون صابون ترعى بشرتها، وأنت تعصف في منادليك خ، خ، خ (..) لم ننتهِ من قصة إيقادك بخوراً كل جمعة، وإشعالها شمعة كل يوم أحد. تدخن هي قبل الفطور ولا تغسل أسنانها إلا بعده. أما أنتَ فتفضّل مضغ إصبع علكة، أو تنظف أسنانك بطرف عود ثقاب تقشره بإظفرك» (ص61-62).

وحين ينهرها زوجها لتكف عن غسل شعرها في المغسلة لتساقطه أثناء الغسل وقد يسد المجرى إضافة إلى أن هذه الطريقة المزعجة غير صحية ولاأخلاقية كما يعبر، ترد عليه قائلة:

«عذراً، لكني لم أعتد على طريقتكم، استخدام كاسة صغيرة تطوف فوق قدر كبيرة مليئة بماء لا يلبث أن يبرد بسرعة وأنتم جالسون على تلك التختة الخشبية المضحكة. سأغتسل بالطريقة التي تريحني..» (ص16).

تسهر خارجاً مع أصدقائها البريطانيين وبالذات مع عشيقها ديفيد، وتعود إلى البيت في الساعة الثالثة والنصف بعد منتصف الليل، يتشاجر معها زوجها ويدور هذا الحوار الصاخب:

«ـ يظهر أنني أعطيتك حرية لا تستحقينها. بلغتنا نقول أخذتِ عين.

ـ لا يهمني ما تقولونه. أنا سئمت هذا الارتباط السطحي. أحب السهر مع مجموعة الأجانب متى شئت، دون أن تفسد عليّ ذلك عندما أعود. لستُ سندريلا لكي أرجع قبل الثانية عشرة (..).

ـ مادمتِ في هذا البيت فستحترمين بعض تقاليده. لا أظنني مقصراً تجاهك في شيء. لا تزيدي حياتنا ارتباكاً» (ص77).

انحياز الرواية واضح إلى جانب أبيها العراقي، ولكنها لا تستطيع إدانة أمها البريطانية حتى وهي تتعشق أحد البريطانيين وبمعرفة زوجها، نكاية به.

يصل النزاع بين أبويها إلى الطلاق لكنه لا يتم لإصرار الأب على عدم تدمير حياة ابنته، لكن الانفصال يحصل إذ يموت الأب فجأة أثر نوبة قلبية.

تصف (الخضيري) في التسعين صفحة الأولى هذه الأجواء المشحونة الملبّدة بعيني طفلة، يحملها التوتر إلى الهرب يومياً إلى أكواخ فلاحي مزرعتهم الفقراء، فتختلط بهم وتصاحب ابنتهم الصغيرة خدّوجة (خديجة)؛ وتعيش طفولتها في الضوء والهواء والطين والماء وحيوات الطبيعة بتلقائية، تحيا سمو الطيبة والبساطة والعفوية والرقي الأخلاقي الذي يميز أولئك الفلاحين الفقراء الذين تحبهم وتعشق أكلهم المتقشف، قعداتهم، قصصهم، وأغانيهم مما يثير غضب أمها البريطانية فتحذرها بمعاقبتها إن اقتربت من أولئك (الأقذار!).

وتنسى البطلة نفسها فتتحدث الخضيري الكاتبة بما يشبه التذكر الأسيان:

«أراني معها على ذلك الشاطئ الغامض ببعده الآن. عندما أتوق إلى استعادته، أجدني أستذكر سيل طفولتي مع خدوجة» (ص33).

ثم تصف أهل خدوجة صديقة طفولتها:

«ذرات التراب في كل مكان، هذا الغبار الذي يغطي عباءاتهم السود، ملاءاتهم، أبقارهم، بل ووجوههم، كأنه سحر حيويتهم. أهل خدوجة لا يتوقفون عن الحركة، متقمصين ألوان كل ما يحيط بهم، فإذا كل شيء بلون التراب، حتى بشرتهم سمراء كالطين. ينتمي الجميع إلى العائلة البنية ذاتها. صبغة يتوارثونها بديمومة مثيرة، كم أعجب عندما يصفون سُمرتي بدورهم وأنا قادمة إليهم: «هلا بقُرص الخبز هلا» (ص35).

هذا التوليف في الحبكة الروائية (نسق مذكرات في صيغة روائية) شحن النص بالعاطفة والصدق والمكاشفة حيث الذات ترى نفسها الآن واضحة عارية بعد كل تلك السنوات، في سيرة تحفل بالحب والتمزق، بالخسارة والفقدان، بالقوة والضعف والندم، وليس أدلّ على ذلك من الإهداء الذي تقدمه الكاتبة في مستهل روايتها (إلى أمي وأبي ورحيل قبل الأوان).

يحاول الأب تعليم ابنته مهنته (صناعة المطيّبات: ألوان، عطور، ونكهات خاصة بصناعة المعجنات، وإطلاق أسماء على الأنواع المبتكرة منها، أسماء وصفات غالباً ما تكون شاعرية وسوريالية:

«ليمونة خجلى ـ خيال الياسمين ـ ماء الورد ـ المستكي ـ دقيق جوز الطيب ـ فحمة المداخن ـ بنفسج العشق ـ الفانيلا الفرنسية ـ زبدة فستق العبيد ـ كرز بالكولا» (ص90)، في الوقت ذاته تصر أمها على تعليمها رقص الباليه في معهد الرقص والموسيقى، لكن لا هذا ولا ذاك تفلح فيه الراوية ـ البطلة؛ فاندلاع الحرب العراقية الإيرانية يؤدي إلى غلق المعهد، لأن الوقت ليس وقت رقص، وما الباليه والموسيقى إلا من الكماليات الترفيهية التي لا تخدم المجهود الحربي في عرف جنرالات بغداد، فيما حرمها موت أبيها المباغت من الإلمام الكامل بكل أسرار مهنته، حينها تلجأ إلى الجامعة خاصة تتعلم فيها آداب اللغة الإنكليزية.

في تلك الفترة العصيبة تتصاعد دمدمة طبول الحرب وتشتعل حرب المدن بين العراقيين والإيرانيين ويتحول العراق إلى جحيم مغلق، ويصدر قرار بمنع الناس من السفر إلى الخارج، وتندلع معارك ضارية يروح ضحيتها ألوف الأبرياء. تصاب أمها بسرطان الثدي بعد موت أبيها، وتفشل كل محاولاتها وأمها لمغادرة العراق للعلاج فتضطر الأخيرة لإجراء جراحة عاجلة لاستئصال ثديها المصاب.

في الفصلين الرابع والخامس تأخذنا الكاتبة إلى أروقة معهد الباليه واصفة حياة الطلاب وشغف معلمتهم (المدام) بالموسيقى والرقص، ثم تتعرف البطلة عبر (المدام) على شاب نحّات يكبرها بعشر سنوات، جندي في الجبهة يزور بغداد في فترات الإجازات، تقع في حبه، تدور حوارات في العشق، وتستغرق الراوية في وصف محترفه وأشكال أعماله النحتية، كأن الكاتبة تريد وضع معادل موضوعي لما يحيط بطلتها (عظمة الموسيقى والرقص ورفعتهما مقابل دموية الحرب، عذوبة الحب وجلاله قبالة القسوة) ولعل القارئ يجد أن العودة إلى البيت في بغداد (بعد تركهما بيتهم الريفي في الزعفرانية إثر وفاة الأب)، وإلى سيرة البطلة مع أمها البريطانية هو الأجمل في مسار السرد الروائي، لما خلقت الوقائع في التسعين صفحة الأولى من تأثير على القارئ نفسه جعله مغرماً بمتابعة هذا الجانب الحيوي من مسار القص. وفعلاً ترجع الروائية إلى أمها ـ حدثها المركزي ـ في الفصل السادس مع بعض الإطلالات عليها في الفصل الخامس.

إثر حوارات ذكية بين الأم وابنتها حول واقعية علاقات الحب مقارنة بنتائجها تتردد الابنة وتتوزع بين البقاء في بغداد والزواج من حبيبها سليم النحات ـ الجندي وبين السفر معها إلى بريطانيا وقطع صلتها بحاضرها وماضيها.

ويأتي الحسم من النحات نفسه حين يتركها هارباً إلى أهله في شمال العراق بعد انتهاء الحرب، من دون وداع حتى. ساعتها تغادر الراوية صاعدة سلالم الطائرة حاملة حقيبة واحدة تتبعها أمها بثدي واحد كما تقول في (ص151).

في لندن ترتقي الصفحات من جديد مستوى عالياً من الصرامة اللغوية لتبدو أشبه باليوميات مع دقة في التعبير عن المعاني والحالات والمرئيات المتنوعة. تقضي البطلة وقتها بين عملها كمترجمة وتسكعها في أحد أحياء لندن المكتظة بالمهاجرين وبين أمها الراقدة في المستشفى. تغامر مع أحد الفرنسيين، تحمل، تجهض وتفشل العلاقة، تعود لوحدتها، وتموت أمها بعد معاناة مروعة مع السرطان.

تبلغ بتول الخضيري في روايتها ذرى من الإتقان الفني في تصوير حياة المنفى في الخمسين صفحة الأخيرة على مشاهد احتراق العراق في حرب الخليج الثانية ومحاصرته وقتل أبنائه عبر حالة بطلتها المتأرجحة بين عالمين: الوطن والمهجر، وعلى إيقاعات الرسائل الواردة إليها من معلمتها السابقة في معهد الرقص (المدام)، لكنها تتعود أخيراً على برودة لندن، وصرامة حياة العمل وروتينه، فتفقد الأيام طعمها وحيويتها وتنتهي روايتها.

إن الأم البريطانية بعد أن نفتقدها في الفصلين الرابع والخامس إلا لماماً تعود إلى مركز الأحداث حتى النهاية متميزة بقوتها وإرادتها وبرودتها وقسوتها وسخريتها وحكمتها أيضاً، وهي التي تقول بعد فشل تجربتها للعيش في العراق سنيناً طويلة وعودتها إلى وطنها الأم بريطانيا لتجد صعوبة في الانتماء إليه:

«ـ إنها لفكرة بلهاء، قضية الانتماء، فنحن لا ننتمي إلا لظل أجسادنا التي ترافقنا، مادمنا أحياء» (ص167).

(كم بدت السماء قريبة) رواية أخاذة، ممتعة، تحفة فنية تحتل مركز الصدارة في أدب العراقيين المعاصر.                                                                     غوتنبرغ