بتول الخضيري – التوفيق بين حياتين: الأدب والأعمال
حوار أجرته د. هالة فتاح - باحثة مستقلة
عمّان، الأردن 2/10/2025
* تدور أسئلتي أساسا ًحول المسار الذي سلكتِه كإبنة صناعي اختارت ان تدرس اللغة الفرنسية بدلاً من مزاولة التجارة، وأصبحتِ كاتبة رغم إصرار والدك على إدارتك لمصانعه. ومع ذلك، وفي مرحلة لاحقة – بعد رحيله – أصبحتِ ، كما أعتقد، ما كان يتمناه لكِ دائماً: ان تكوني سيدة أعمال حرة. والآن عدتِ إلى جذورك الأدبية، رغم أنك لم تتخلِ ِ تماماً عن مشروعك التجاري. لقد أصبحتِ شخصاً متكاملاً قادراً على مواجهة كل شيء في الحياة والكتابة عنه أيضاً!
لا أستطيع أن أقول إنني أصبحت شخصاً متكاملاً، لكنني أسعى لأكون إنسانة متوازنة. تصوري أنك تعيشين مع أب يكرر دائماً: "متى ستكبرين لتساعديني في العمل؟"، بينما كانت أمي تقول لي باستمرار: "يمكنك أن تكوني أي شخص وكل شيء تريدينه، فقط استمري في الحلم." كان عليّ أن أجعل الجانب الأيسر من دماغي يصافح الجانب الأيمن بشكل يومي كي أحافظ على عزيمتي.
* هل خلقَت هذه التحولات صراعاً داخلياً في حياتك، أم ترين أن مساعيكِ المتعددة – الأدبية والتجارية – كوجهين لشخصية متكاملة؟
لقد كانت رحلة مليئة بالتقّلبات. كانت قدوتي تتأرجح بين أبي، الذي كان يجيد الجمع والطرح من دون استخدام آلة حاسبة، وأمي التي كانت تتمتع بذاكرة فوتوغرافية ورأت أن تعريفها لي بموسوعة بريتانيكا نشاط ممتع. بالنسبة لي، كانت الشخصية المتكاملة على النحو التالي: بدلاً من اختيار "إما هذا أو ذاك"، اخترت "المزج والتوليف". لكن عليّ أن أعترف أن هذا الصراع منحني رؤية عميقة في صِدام الثقافات، حيث لا أحد محق أو مخطئ. من خلال شرحي لأمي عن السياق والعلامات والرموز والدلالات الخفية في تفاعلات المجتمع العراقي، أظن أنني كوّنت فهماً مبكراً للتسامح وقبول الآخر، حيث يصبح كل شيء مسألة وجهة نظر.
* وماذا عن علاقتك باللغة الفرنسية؟
في أحد الأيام، حينما بلغت مايقرب العشر سنوات، دُهشت بأمي تتحدث فجأة بالفرنسية مع جارة سويسرية جديدة. أتذكر أنني فكرت: مَن هذه الشخصية الجديدة التي تخرج من فم أمي ! فيما بعد، ألهمتني قريبة لي دَرَسَت في الأليانس فرانسيز وأخرى عملت في لوريال، التي بدا لفظها ساحراً. وطبعاً، المحقق "كلوزو" من أفلام كارتون الفهد الوردي هو الذي أشعل الشرارة الأولى. استمتعت حقاً بكل لحظة في دراسة هذه اللغة الرائعة، وأندم لأنني لم أستخدمها كثيراً عبر السنين، لكن يسعدني أنني ما زلت قادرة على التواصل بها، وأشعر من خلالها بقدرتي على خلق روابط مع الآخرين بنكهة مختلفة.
*والآن عدتِ إلى جذورك الأدبية، رغم أنك لم تتخل ِ تماماً عن مشروعك التجاري.
عملت في صناعة الأغذية الخاصة بوالدي لمدة عشرين عاماً، لكن، وبقدر امتناني الشديد لمسيرته، لم أستطع أن أتخيل نفسي أبيع الجيلي والكاسترد والبطاطس المقلية طوال حياتي. كان شغفي بالكلمة المكتوبة يجذبني كالمغناطيس. في النهاية، تركت الشراكات العائلية واستقلت. أستمتع حالياً بالعمل في العقارات. أقسّم وقتي بين الإدارة والكتابة؛ فصار لدي وظيفتان الآن: إحداهما تجلب المال والأخرى تجلب الرضا.
* إذن كيف أصبحت شخصيتك متكاملة؟ لا بد أن الأمر لم يكن سهلاً. كيف تواجهين الصور النمطية الشائعة عن النساء اللواتي يحاولن تحقيق كل أهدافهن دون أن تصبحي دفاعية؟
واجهت نصيبي من الرجال الذين حاولوا إحباطي. صديق جامعي قال لي إن كتاباتي لا تصلح حتى لكتاب طبخ، وأحد الأقارب أراد مقاضاتي زاعماً أنني شوّهت اسم العائلة بروايتي الأولى. كان الأمر فعلاً توازناً صعباً بالنسبة لي. حتى ربّات البيوت التقليديات انتقدنني، متسائلات لماذا لم أستطع الاستقرار في زواج وإنجاب أطفال. والمفارقة أن بناتهن ينظرن إليّ بإعجاب، وهذا أمر يبهجني.
بالمناسبة، عندما تحاولين ملاحقة كل غاياتك، عليكِ أن تتخلي عن شيء ما بالمقابل. لا أقول إن الثمن سلبي بالضرورة، لأن الطموح له لحظاته المٌجزية، حتى لو كان الطريق مرهقاً. كنت متمردة نوعاً ما في طفولتي، واضطررت لمواصلة الإصرار حتى أحصل على هذا اللقب في مرحلة البلوغ. السر بالنسبة لي كان يكمن في التمسك بعين الطفلة في داخلي واتباع حدسي.
* كيف تعاملتِ مع أفراد العائلة ذوي النوايا الحسنة الذين ينتمون إلى الجيل الأقدم، ويشعرون أنهم أوصياؤك بعد أن أصبحتِ عزباء وبدون والدين؟
بمناسبة الحديث عن الجيل الأقدم، أتذكر أنني كطفلة كنت ضعيفة جداً في الرياضيات، فكان والدي يلقبني بال"حمارة”! وهذه هي الطريقة العراقية في التشجيع! أقولها مازحة لأنني أفهم صعوبة حياتهم آنذاك. كانوا جيلاً حازماً صنع نفسه بنفسه، وعندما يتعلق الأمر بتعليم أبنائهم على "الطريقة الصحيحة"، لم يكن أي شيء يرضيهم. مثلاً، كان والدي يعطيني عشر مهام في يوم واحد، وهو يعلم أنه يريد إنجاز أربع فقط منها. فعندما يضع علامة صح على أربع خانات، يحصل على ما يريد بينما أشعر أنني مقصّرة، فضلاً عن شعور الذنب الدائم أن ما أقوم به لا يرقى لمستواهم. رفعوا السقف عالياً لدرجة اضطررت أن أرفع رأسي نحو السماء.
في المقابل، أحمل الإعجاب لما زرعوه فيّ. تعلمت قيمة الانضباط. نادراً ما أشعر بالملل من الروتين اليومي للعمل. أغلب الأيام أعمل من المنزل، لكن لا يمكن أن أبقى بملابس النوم وشعري مبعثر. ارتداء ملابس العمل، وضبط منبه الساعة وتحديد الأهداف يبقيني في حالة تركيز. ربما أكون معتادة على النظام، لكن هذا قادني لفهم أنه عندما تتراكم المّهام الصغيرة، فانها تصبح اللبَنات الأساسية لتحقيق النتيجة النهائية. أذكّر نفسي دائماً بأن امتلاك رؤية واضحة لحياتك هي نعمة بحد ذاتها، لكن للوصول إلى السَحاب فعليَّ أن أستمد من أعماق نفسي خشباً صلباً أبني به سلّما ً الى العٌلا.
* هل يهمك رأي الآخرين باسلوبك في الحياة؟ وكيف يظهر هذا النمط الطليعي في أعمالك الأدبية؟ وكيف يترك المجتمع أثراً في أعمالك؟ فكل عمل أدبي يحتاج سياقاً اجتماعياً وإلا كان فارغاً.
آه، السؤال الذهبي: "هل يهم الأمر" ؟ إنه ملعب واسع في وسطه أرجوحة تهتز وتتراوح بين المرونة والصلابة.
ان الأمر لا يهم إذا لم يحترم الآخرون خياراتي في هذه الحياة. قد ينتقدون، يسخرون، أو يحاولون إحراجي، لكنني لا أقاوم. أنا أكتفي بأن أتشرب سلوكهم وأستخدمه مادةً لرسم الشخصيات في عملي الأدبي التالي.
وفي الوقت نفسه، يهم الأمر عندما يتعلق بخلق التباين في آرائهم. فحين يتفاعل الناس تجاهي، إيجاباً أو سلباً، تصب كل تفاعلاتهم في جهدي لرسم لوحات لشخصياتي. أولاً أقوم بامتصاص الصدمة، ثم أفرش لوحتي. انا أجد ألوان الطبيعة البشرية ساحرة.
أما ما تسمينه "نمطاً طليعياً”، فأنا أسميه "تحية احترام" لكل الكتّاب على هذا الكوكب منذ السومريين في بلاد الرافدين. عملي المتواضع مجرد امتداد لهذا الحوار الكَوني. يجب أن أقول إنه عندما أمسك بالقلم وأفتح صفحة بيضاء، فانني ما أزال أشعر بتلك الطفلة المشاغبة التي تقوم بالتجريب على الورق. وبعد مرور سنوات، حين يرسل لي طلاب وكُتّاب شباب حول العالم شكرهم لأنني ألهمتهم ليعبروا عن آرائهم؛ هنا أصل إلى لحظة الانتصار في لعبة "البنغو”.
* رواية "غايب" تتحول إلى مسرحية. أعتقد أنها المرة الأولى التي تُعرض فيها رواية عراقية على المسرح باللغة الإنجليزية في لندن.
الفضل كله يعود إلى الكاتبة المسرحية ”بيني بلاك” والمخرجة ”سفيتلانا ديمكوفيتش”. قبل عشر سنوات، عرضت “بيني” عليّ تحويل الرواية إلى مسرحية. في البداية، عملنا عن بُعد على سيناريو طويل يضم طاقماً كاملًا من الممثلين. لكن جداولنا المزدحمة منعتنا من إكماله، فدعتنا “سفيتلانا” إلى بلغراد لإنهائه. وعندما صار جاهزاً، جاء وباء كوفيد فتوقف المشروع. لكن “بيني وسفيتلانا” أعلنتا عدم الاستسلام، و أصبح تركيز العمل على تحويله إلى عرض لممثلة واحدة فقط، وهذا استغرق سنوات إضافية. وأخيراً، ستُعرض المسرحية لأول مرة في مهرجان ”فوالا” بمسرح ”بارونز كورت” في لندن خلال شهر تشرين الثاني - نوفمبر من هذه السنة، وهناك سأحتفل بعيد ميلادي الستين! لأدرك مجدداً أنه لا يوجد عمر متأخر لمطاردة الأحلام.