Skip to main content
بتول الخضيري – أصداء الغياب والذاكرة

حوار أجرته نوال العاني – باحثة وإعلامية
8/10/2025

 

في عالم الرواية العراقية، يبرز صوت بتول الخضيري بوصفه أحد الأصوات النسوية المميزة التي نجحت في أن تنقل عبر السرد وجع الفرد العراقي وسط التحولات العاصفة. ولدت الخضيري في بغداد عام 1965 لأب عراقي وأم اسكتلندية، وراكمت من خلال حياتها بين الشرق والغرب رؤية سردية خاصة، تتجلى بوضوح في روايتها الثانية "غايب" (2004)، التي اعتُبرت شهادة أدبية على الحرب والحصار والموت، كما قدّمت صورة عن معاناة المرأة العراقية في ظل واقع متأزم.

يأتي هذا الحوار مع الكاتبة ليضيء بعض الجوانب الخفية في تجربتها، وليفتح نافذة على رؤيتها للكتابة، وللعراق، وللذات الباحثة عن معنى وسط الغياب.

 

س: كيف وُلدت فكرة الرواية؟

كان وطني ينزف، وأقلّ ما يمكنني فعله هو أن أحمل صوته إلى العالم.

أثناء إقامتي في الأردن خلال فترة الحصار، لم يكن من السهل الكتابة عنه كمراقبٍة من بعيد. كانت مصادري هي: أخبار التلفزيون، الرسائل التي كان الأصدقاء يرسلونها إلى عائلاتهم في الخارج، لقاء بـأشخاصٍ فرّوا من البلاد وأحاديث غير رسمية أجريتها مع عراقيين توقّفوا في عمّان بانتظار وثائق الهجرة الخاصة بهم.

كما أن الكتابة بصيغة المتكلم المفرد كانت تحدّياً اضافياً، لأن الكاتب عليه أن يمثّل جميع الشخصيات في الوقت نفسه. كان عليّ أن أتحمّل عبء جمع توليفة من الناس في أحلك أيامهم وتحويل مبناهم إلى مجتمعٍ مكتفِ ذاتياً يكافح من أجل البقاء.

 

س: لو مثّلت العمارة بشققها دولةً مصغّرة، فأي شقة منها تختارين اليوم (2025) لتكون صورتك عن العراق؟

سأختار شقة دلال لأنها الأساس الذي يفسّر عنوان الرواية "غايب". فهي تعكس الثقافة المحلية التي تبين سبب اختيار الرجال العراقيين الذين لا ينجبون أن يُكنّوا بأسماء أبناء حتى وإن لم يولدوا بعد. وسط هذا المجتمع الذي تحكمه نزعة الفخر بالرجولة، نجد أنفسنا أمام فقدان عدد هائل من الأرواح الثمينة؛ فقد خسرنا خلال الحرب العراقية - ا لإيــرانية (1980 – 1988) نحو 450 ألف عراقي ومنهم 100 ألف كردي، ناهيك عن 40 ألفاً آخرين خلال غزو الكويت والحرب التي تلتها (1990 – 1991). ذلك حزنٌ هائل لا يسع روايةً واحدة!

بما أنني لم أزر بلدي منذ ثمانيةٍ وعشرين عاماً، فليس لديّ تجربة مباشرة تمكّنني من التوسّع في الإجابة على سؤالك. في "غايب" جعلني هذا الغياب الطويل أعتمد على شخصيات خيالية، استُلهم بعضها من أشخاصٍ حقيقيين وقصص صادفتها في حياتي. لكن خيالي وحده لا يكفي لإنصاف ما مرّ به العراق من اضطرابات منذ عام ( 2003 ) وحتى اليوم. سأحتاج إلى ابتكار شخصيةٍ أخرى مثل "دلال" لتصبح صوتي وكاميرتي داخل البيت العراقي وفي الشارع. وربما أفعل ذلك إذا كتبتُ روايتي الثالثة.

 

س: دعينا نتحدث عن هذه الشخصيات، ولماذا قمت بوصفهم بروحٍ من الكوميديا السوداء؟

على الرغم من أنني أشعر بأنه ليس من حقي أن أُصوّر مأساة العراق بطابعٍ ساخر، إلا أنني كنت بحاجة إلى جعل الشخصيات فكاهيةً، لتخفيف آلامهم، لذلك اخترت الكوميديا السوداء كإطارٍ لها. فمن ناحية، أردت أن أحمّل الحوار بين الشخصيات قدراً من التهكم، ومن ناحيةٍ أخرى، كان هدفي أن أجعل ثقل الكارثة أخفّ على القارئ.

لطالما كنت مؤمنةً بقوة "العلاج بالضحك"؛ وهي تقنية تستخدم الفكاهة لتعزيز الصحة النفسية. إن عبثية الحياة تحيّرني، ويمكنني القول إن هذا جعل عملية الكتابة معقدة ( قاتمة وتدعو للتأمل ) من الداخل، لكنها تبدو بسيطة ( مرحة وخفيفة ) من الخارج، فتصبح بما يوصف بالسهل الممتنع.

أحد الأمثلة على ذلك عندما تغضب "أم غايب" من زوجها، فتقتحم منحله، وتخّدِر نحله، وتجمع الحشرات، وتغمسها في الغراء، وتحولها إلى كرات من الفرو، وتستخدمها في صنع طوق ناعم لمعطفها المعاد تدويره.

ومثال آخر هو "سعد" الحلاق الذي يجلب البهجة للجميع بأحاديثه الاجتماعية ومشاركته حلوى كيت كات، ويتبين أنه مخبر من أجل إبقاء متجره تحت ضغط "عادل" مقدم الرعاية الذي يعمل في المخابرات.

كل ليلة، قبل أن أنام، أشاهد كوميديا لأهيئ نفسي لجرعةٍ جديدة من الإيجابية لليوم التالي.

 

س: على صعيد شخصي، لاحظتُ أنك انضممتِ متأخرة إلى وسائل التواصل الاجتماعي. فهل تعتبرين نفسكِ شخصاً يحب الخصوصية؟

هاها ... هذا يذكرني بوالدتي الراحلة عندما زارت مركزاً تجارياً ذات يوم ودخلت قسم البرمجيات(Software) وسألت الموظفين: “عذرًا، أين قسم حمّالات الصدر؟” أعتقد أنني أشبهها في ذلك، فنحن آخر من يحب تعلم التكنلوجيا في العائلة.

لكن بالعكس منها، كنت في السابق شخصاً اجتماعياً جداً، إلا أنني شعرت بالإرهاق بسبب جولاتي الدولية للترويج لكتبي والجلسات الحوارية ومحاولات البعض التطفل على حياتي الخاصة. عندها شعرتُ بالحاجة إلى وضع بعض الحدود، وأحسست أن وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة لي صاخبة أكثر من اللازم. كما أنني كنت بحاجة للتعافي من بعض الظروف الصحية الصعبة، ولذلك انسحبت لبعض الوقت لأستعيد طاقتي وأرتب أفكاري.

 

س: لماذا درست اللغة الفرنسية، وكيف قادتك للتعرف على الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد ، وهل تأثرت به على الصعيد الشخصي أم الأدبي أكثر؟

لا أعلم من قال "كل لسان إنسان"؛ وهذه المقولة طبقتها أمي معي، فبينما كانت تحاول ان تتعلم اللغة العربية أغرقتني بقصص الجنّيات الإنجليزية والأغاني الفرنسية. ومنها نشأ عندي ولع جديد لتعلم لغة ثالثة. يجب ان اعترف ان قراءاتي المبكرة لأعمال الكتّاب الفرنسيين غيرت طريقتي في التفكير وحررتني من قيود التعليم في المدرسة الثانوية.

اثناء دراستي في الجامعة المستنصرية، كانت فترة تدريبي في وزارة الثقافة والإعلام العراقية ونصيبي من المغامرة حدث في دار المأمون للترجمة. كانت الكتب والمجلات تخرج طازجة من المطبعة مباشرة الى رفوفهم فأدمنتٌ على رائحة الحبر كالكحول المدخّن والأغلفة اللمّاعة قبل ان تلتصق بها بصمات الأصابع.

في مصعد الوزارة، تعرفت على انسان قصير القامة برأس كبير ونظرات ثاقبة وصوت كالهدير. كنت قد شاهدته سابقاً في التلفزيون، لكن عندما قال "مرحبا، أنا عبد الرزاق عبد الواحد" بدأت صداقتنا ، وقضينا فترات استراحة القهوة في مكتبه بعد ان اجتزنا بابه المعنوَن ب "وكيل وزارة"، ومع مرور الأيام أصبحتٌ كما أطلق عليه مازحا "طالبتي بالتبّني".

كنت أقرأ له محاولاتي بكتابة قصص قصيرة. كان يناديني "باباتي" ويقول لي "بعدِك صغيرة على هذه الجدّية بالحياة، اتخيلك شابة مشغولة بالسهرات، مو حابسة نفسك في غرفة للكتابة لساعات طويلة". وكان يقرأ لي قصائده الرومانسية الساحرة. انبهرت بقدرته على اختزال البحر في قطرة ماء. أعجبت باسلوبه في تصغير الأشياء الكبيرة دون ان تفقد عمق معناها.

لم افكر ان اكتب الشعر ابداً، اولاً لقناعتي بضعف لغتي العربية الفصحى، وثانياً مَيلي للنثر اعطاني مساحة كبيرة للتصرف بالنص. كنت ادون افكاري أينما كنت حول العالم، على منديل ورقي في قطار، او قائمة وجبات في مطعم، او قصاصة ورق اثناء زيارتي لمتحف مثلاً. وهذا قادني الى كتابة مشاهد متناثرة تشبه "سكتشات" سينمائية صغيرة قمت بجمعها لتصبح رواية.

أتذكر جيدا عندما غضب مني أستاذي من الطريقة التي انهيت بها روايتي الأولى "كم بدت السماء قريبة". قال "لا افهم، كيف تكتبين عملاً أدبياً مثل السمفونية ثم فجأة تنهيها بكلمة نابية"، بعد ذلك ضحك وقال "بس بصراحة هاي ضربة معلم".

كنا نقضي ساعات هادئة يحكي لي فيها عن "سنوات الطماطم"؛ وهي فترة من حياته لم يكن قادراً فيها على الكتابة فكان يقضي وقته ، بشراء الطماطم لبيته. فجأة ينفتح باب المكتب بدون استئذان وتدخل بضجة صديقة الطفولة المشاغبة الشاعرة ريم قيس كبة فتبدأ المفرقعات الناريّة الشعرية بينهما.

أهم درس تعلمته منه حين قال لي " الفنانة، عندما تعرض لوحاتها للآخرين، لا تقف أمام عملها، وانما تختبئ خلفه".

 

س: بعد مرور عشرين سنة على صدور "غايب"، ماهو شعورك والرواية سيتم عرضها للمرة الأولى كمسرحية باللغة الإنجليزية في لندن.

انا اهوى عبارة "تباً للمستحيل". ولولا إصرار صديقاتي وشريكاتي، الكاتبة المسرحية "بيني بلاك" والمخرجة "سفيتلانا ديمكوفيتش" لما تم تحويل الواقع العراقي الى عمل سريالي يخرج الى العالم. وسأكون مختبئة بين الجمهور.

 

س: في العمارة النساء حاضرات بقوة لأن الرجال غائبون ... فهل تعمدت ان تكتبي رواية نساء بامتياز ام ان الواقع فرض نفسه عليك؟

يأتي ذلك مع طبيعة الأحداث. فمع اختفاء معظم الرجال، كان على النساء أن ينهضن لمواجهة المواقف الصعبة. وبمجرد أن تولّت النساء زمام الأمور، كان لابد لي من خلق تباين بينهن.

"دلال"، الشابة المفعمة بالحيوية، هي الراوية التي تمتص وجهات نظر الآخرين عن الحياة بينما تحاول أن تشق لنفسها طريقاً خاصاً.

"أم غايب" مدينة لزوجها لانه سمح لها بتربية ابنة أختها، وعليه تتحمل قشور جلده الناتجة عن الصدفية وشغفه بجمع اللوحات الفنية.

"إلهام" تكافح مع صورة أمها الفرنسية، وتفرم أجزاء من جثة بشرية لصنع الكباب من أجل البقاء.

"أم مازن"، العبقرية الشريرة، وبدريّة، خادمتها الغبية، شخصيتان مهمشتان قدمتا إلى بغداد من الضواحي وهما تحملان ثقافة قراءة فناجين القهوة للتنبؤ بالمستقبل. تعويذاتهما وجرعاتهما السحرية تتنكر في هيئة علاجات وأدوية. أما الجارات، فهنّ يائسات لدرجة أنهن يبحثن عن حياة بديلة عن واقعهنّ القاسي، فتتحول "أم مازن" إلى نجمة المعالِجات النفسانيات .

 

س: عند قراءتي للروايتين الاولى "كم بدت السماء قريبة" ورواية "غايب" ، شعرت ان الاولى تركز على الذات في مواجهة العالم بينما الثانية فهي تركز على العالم وهو يقتحم الذات ، هل من الممكن ان يوجد خيط يربط بين الاثنتين؟

هذا يبدو سؤالاً يخص النقاد أكثر. بعد أن نُشرت رواياتي بدأت أقرأ المراجعات النقدية، لكني شعرت أنه إذا قرأت الكثير من النقد فسأفقد عفويتي في الكتابة. أنا أكتب في حالة من التدفق، لذلك أتجنب تحليل وإعادة تحليل ما أكتبه.

دعيني أجيبك بذكرى تخطر في بالي. عندما كنت صغيرة، كنت ألعق مسحوقاً أبيض يتجمع خارج جدار من الطابوق في حديقة والديّ. قال الكبار إن جسدي كان يحتاج إلى الكالسيوم. منذ ذلك الحين أصبحت بغداد تمثّل ذلك الجدار، وكان الكالسيوم هو نخاع العراق الذي يقوّي عظامي.

الوجود في هذا المكان والزمان هو الخيط الذي يربط بين الروايتين. إنه أشبه بعقد من الخرز أكثر من كونه خيطاً. حبات الخرز الملوّنة لها أسماء: وطن، منفى، ألم، صداقة، ضحك، شجاعة، خيانة، حصار، ديكتاتورية، ولاء، حرب، جوع، مرض، أحلام، دمار، مؤامرة، الأمل. أما آخر خرزتين تُغلقان العقد فهما الأسود والأبيض.

وعندما تقولين: الذات في مواجهة العالم والعالم وهو يقتحم الذات، أشعر أنه لا فرق بينهما. كأنني نافذة، والظلال من كلا الجانبين تنساب داخلاً وخارجاً عبر الزجاج بحرية.