4/3/2004 ,القدس العربي
شعرتُ بالملل وأنا أنتظر الجزء الثاني من أخبار Fox . يبدو لي ان نشرة الأنواء الجوية ستستمر إلى الأبد. عندما أخذت الشموس الناعمة المغطاة بغيوم منفوشة على جانبيها تتحول إلى صور مصغرّة تشبه مجموعة من بيض مقلي أخرس؛ رن الهاتف. اتصلت بيّ مؤرخة عراقية تدعوني لشرب الشاي في مؤسسة Konrad-Adenauer في عمان.
كان نصيبنا قهوة سويسرية بدلاً من الشاي، وطُلب منا أن ندلي بآرائنا حول مستقبل النشر في العراق. أي نشرٍ مع انقطاع الماء والكهرباء وعدم توفر الصيانة والأمان.
دور النشر معطلة حالياً في العراق، فالخسارة فادحة. كان الناشرون قبل الحرب الأخيرة ملزمين بموافقات حكومية، أما اليوم فالكاتب الذي يرغب أن يعطي اصدقاءه ديوان شعره او قصصه القصيرة فعليه ان يطبعها ويشرف على تصويرها بنفسه.
ناشروا الصحف أيضاً يعانون من الخسارة. الجميع ينتظر فرصة الاعلانات، واذا أستمر الاقتصاد في حالة تعثر فأنهم سينتظرون طويلاً. ولكن على الرغم من الخسارة التي تصل إلى 50% من الاستثمار في الطباعة فبغداد تشهد صدور أكثر من 160 صحيفة. ساهم سقوط النظام العراقي، الذي كانت له قبضة من حديد على كل انواع النشر، في انطلاقة جديدة لمفهوم حرية الرأي. أصبح الناس احراراً فيما يقولون ، وباتت 80% من الصحف تمثل ولادة أحزاب وتجمعات سياسية. بعد ذلك انتشرت كتابات "مع" أو "ضد" أميركا.
المفارقة هي تلك المظاهرة التي شهدتها شوارع بغداد والتي حشد لها العاملون في ميدان النشر. فبدلاً من تشجيع صناعة النشر المحلية وخلق وظائف للناشر العراقي، قيل ان الامريكان سيجيئون بكتبهم المدرسية المطبوعة الجاهزة . النتيجة: لن نتكلم عن التجارة والنفط و McDonalds فحسب، بل الموضوع يدور حول الكتب أيضاً.
بعد عدة أيام، أتصل بيّ السيد المحترم من المؤسسة ليدعوني وصديقتي المؤرخة إلى معرض فرانكفوت للكتاب 2003. وبالرغم من كوننا زوارا ً مستقلين، فقد كان من المثير أن نلتقي بأعضاء الوفد العراقي الذي تضمن: عميد كلية الآداب في قسم اللغة الألمانية في جامعة بغداد. مدير العلاقات العامة أستاذ في الدراسات البيئية في كلية العلوم، مديرة مدرسة، استاذ في الخط العربي، وحفيد صاحب مكتبة المثنى، ورئيس قسم الجامعة المستنصرية.
سألته كوني خريجة من هذه الجامعة : " أما زلتم نفس البعثيين في الصورة؟" ألم يُقولوا انهم اجتثوا البعث ؟ "
أجابني وشارباه الكثان يرتعشان : " نحن نعمل في الثقافة وليس السياسة. لقد تم انتخابنا لنبقى في مراكزنا."
عندها تذكرت أنني سألت أحد المسؤولين الاميركان في الاردن قبل فترة: " كيف يمكن لقوات التحالف التمييز بين البعثي "الايجابي" و "السلبي". لمعت عيناه الخضراوتان الواسعتان وأجاب: " جرّب تعرف".
حضرنا نشاطين في فرانكفورت. الأول أطلقتُ عليه ندوة الطابق العلوي: " العراق وافغانستان: مستقبل أفضل للكتب ". والثاني مؤتمر الطابق السفلي: " أرسال الكتب الى العراق." في الطابق العلوي، التحق بنا ناشر عراقي مقيم في المانيا، وناشرين أفغانيين. شرحوا ان الصِدام بين النص والسياسة يعني لعبة الموت. وريث مكتبة المثنى قص علينا كيف احترقت مكتبتهم وآلت رمادا ً. لم يعبر عن مشاعره وهو يتكلم عن الأمل إلا أنني قرأتُ الكبرياء بين حاجبيه.
في المؤتمر الصحفي في الطابق السفلي، التقينا بالألمان على المنصة. كان الحضور يمثلون وزارة الخارجية، معهد غوتيه، معرض فرانكفوت للكتاب، معهد الآثار، واقتصادي. لم يكن هناك مترجمون، فعليك ان تسأل صديقك أو من يجلس الى جانبك ليقوم بالترجمة، ولم تكن هناك تغطية صحفية!
ما أثار انتباهي هو كثرة استخدامهم كلمة "بسبب". تحدثوا عن متوازيات مثل: " بلدينا متشابهين بسبب الدكتاتوريات التي تخلصنا منها. " نحن نقارن ألمانيا بالعراق بسبب المعاناة من جراء الحروب. " مهما طال الوقت، فنحن سنُحدث تغييراً، بسبب، الكتب التي ستلعب دوراً مهماً في بناء الشعوب المتمدنة." " بسبب ذهولنا أمام مكتباتكم المحترقة، نعتقد ان الكتب لن تلئم الجروح لكنها ستساعد على مد جسور بيننا."
احترقت مكتبة قسم اللغة الألمانية فقرر الألمان أن يبعثوا بعشرة آلاف كتاب هدية إلى جامعة بغداد. كان من المقرر أن تُرسل في غضون عدة أشهر. يتباحثون بجدية أنيقة حول العناوين التي يجب أن تتضمنها الكتب التي ستُبعث: أدب ما بعد الحرب، كتب اللغة، التعليم، العلوم، الموسيقى أم المسرح. مائتا عنوان تحت التداول. واقتراح آخر كان: " ليس لدينا الكثير من الكتب عن العراق، لنرسل لهم الكتب ونفتح باب الحوار مع العراقيين." صاح رجل مسن في المقعد الأمامي، آثاري عراقي مقيم في ألمانيا: " أرسلوا قصص الجنّيات، هذا سيعلم الطالب العراقي شيئا عن الديمقراطية."
في كل عام، يستضيف معرض فرانكفورت للكتاب احدى الدول. في تشرين الأول عام 2004، سيكون " الشرق الأوسط " هو ضيف الشرف. الجامعة العربية التي تمثل 280 مليون عربي من 22 دولة عربية وزعت منشورات توضح ان برنامجها القادم سيدور حول " حوار الحضارات". سيتضمن ذلك تقديم الكتب العربية مثل: القرآن، قصص من ألف ليلة وليلة، لماذا جنّ قيس على ليلى، أدب من الفترة الاسلامية، بعض كتب الأدب الحديث، ثم "رشة" من فنون معاصرة. تُرى هل سيحضر العراق بكتبه بين أجنحة المعرض. أتمنى أن أرى ولو شخصاً واحداً يجلس في الجناح العراقي وخلفه منشور مطبوع عليه: يرجى زيارة الموقع الالكتروني للكاتب " Salam Pax " والكاتبة " Riverbend ” : جيل عراقي جديد من ناشرين ألكترونيين يتقنون لغة أنكليزية رفيعة، ولكن، وبالرغم من الديمقراطية الموعودة في العراق، فهؤلاء يرغبون بالكتابة تحت أسماء مستعارة.
كنا في طريقنا إلى مغادرة المعرض، يقلنا حزام نقّال بين أروقته. قال لي احد الاصدقاء من الوطن:
بدون كتبهم ستبقى رفوف مكتباتنا عارية.
قلت له:
تخّيل، وأجدادنا هم الذين أخترعوا الكتابة!
نهاية الممشى. يرجى الانتباه إلى محط القدم.
مضت عدة أشهر على انتهاء معرض الكتاب 2003 وبقيت عدة أشهر على افتتاح معرض الكتاب 2004، والعراق لم يستلم تلك الكتب بعد. أتسائل عما يقال: التأخير هو بسبب مسألة تقنية أيصالها. والآن، عودة إلى أخبار Fox.
* المقال مترجم عن الانكليزية.
بتول الخضيري ولدت من أب عراقي وام اسكتنلدية عام 1965. عاشت في العراق حتى سن 24. روايتها الاولى كم بدت السماء قريبة نشرت بالعربية والانكليزية وتترجم حالياً إلى الفرنسية والهولندية والايطالية. الكاتبة مقيمة في الاردن. www.betoolkhedairi.com