غايب - رواية بتول الخضيري - في دربها للمسرح الإنجليزي
معاذ الألوسي
20/9/2025
بتول الخضيري كاتبة عراقية مهمة. انا من المعجبين بكتاباتها، فاجأت العالم في 1999 بكتابها الاول بالإنكليزية والعربية " كم بدت السماء قريبة" وعندما هنأتها عليه. في حينها كان حديث كثير من جامعات العالم. اجابتني استاذها قال الكاتب لا يعتبر كاتبا بكتا واحد، فكتبت الثاني " غائب" وكتبت في حينها تقيما له.
خبرتني مؤخرا بان الـ " الغايب" في دربها الى المسرح الانكليزى. كانت يا فرحتي. وانا عالم بريادة المسرح الانكليزي. يبدو حل وقت الحقيقة والغايب ستكتمل ويحصر في خشبة المسرح الانكليزي .
نعم حتى الكتاب البكر : A Sky So Close بنسختيه الانكليزية والعربية لقي كثير من الاستقبال الحسن والمهم من كثير من جامعات العالم ومعارض الكتب الدولية فيه من أسلوب مخالف في الرواية. جريء وشفاف بالتفاصيل وتوصيف المدينة حينما كانت حاضرة.
كتبت في سنة 2004 النص التالي:
عزيزتي بتول،
قرأت ال «غايب» أو بالأحرى عشتها، وعانيت مع أهلها، إلا أنني في الوقت ذاته تمتعت جداً بقراءتها لدرجة وجدت نفسي منجراً على تسجيل بعض الخواطر والتداعيات والتي جعلت استمتاعي بالكتاب يتضاعف، أي قراءة على مستويين، العاطفي يوازي التحليلي المجرد، وكثيراً ما تداخل المساران، مما جعلني في أحيان كثيرة التوقف لاسترداد نفسي ونفسي - وقت مستقطع - حيث تعذر علي في كثير من الأحيان التجرد وأنا أعيش مآسي ومحن أناس قد يكونوا أهلي أو من معارفي أناس لا حول ولا قوة ولا ذنب لهم سوى أنهم تواجدوا في محلهم الموروث والذي تعشعش في ربوعه معالم أغنى حضارات الإنسان، تواجدوا في زمن رداءته فرضت عليهم، ليشهدوا ونشهد معهم على تهشيم كل مقومات الوطن بدأ بالإنسان والعائلة وصولاً للطابوق والتاريخ.
سمحت لنفسي بالانطلاق، ومسترسلاً دون محددات في قول ما أريده للغير عن لسانك أنت لأنني وجدت في «الغايب» خصوصية متأصلة بنا البغادة، وفي جميع مقوماتها، في اللغة والمعاناة، وفي المكان والزمان، خصوصية غير مفهومة أو واضحة للغير من الناطقين بالعربية، فهم بعيدين عن استيعاب هذه المقومات مندهشين متسائلين عن ما يحدث للعراق وأهله. أود أن أثمن وبامتنان، فسحك المجال لي في الاسترسال في تداعيات الـ" غايب" والاستمتاع بقراءته.
معاذ ليماسول
مايس ٢٠٠٤
بدأ بالعنوان ال «غايب» الاسم بالنسبة للعراقيين مؤشر واضح مباشر يحمل في معناه نوع من الغصة، فغياب العزيز وترقب حضوره معاناة دائميه - منذ غياب الإمام المهدي، العراقيون يسمون الرجال والنساء المتزوجين بأسماء أولادهم وعلى الأرجح الذكور منهم، فعلي هو أبو حسين، ومحمد أبو جاسم، وعمر أبو خطاب، وقيس أبو ليلى، ومن لم يسعفه الحظ بالإنجاب فهو أبو الغايب هذا الغائب أبداً، على الرغم من عدم اعترافهم بذلك.
لماذا لم يكن العنوان أبو غايب؟ أو «أم غايب»؟ وهما محور الهم في الرواية، هنا يأتي المعنى الرمزي الذي يؤشر إليه العنوان، فكل شيء في الرواية إما غائب أو مغيب، جميع أفراد العمارة لهم من هو غائب، فدلال ومنذ سن الفطام يتيمة الأبوين، وإلهام صاحبتها تبحث عن أمها الفرنسية التي تركتها في رعاية والدها قبل وفاته، وسامي يبحث عن الصداقة والصحة الغائبة، الأمن والسلم مغيب من جراء القصف واضطهاد السلطة، وحتى الضمير البشري مغيب عند بعضهم اختياراً عند عادل وإجباراً عند سعد الحلاق المصر على مواكبة العصرنة والعولمة بتسمية مهنته ب (الكوافير).
الشيء الوحيد الحاضر وبقوة وإصرار هي الحرب وويلاتها، حاضرة ليس من خلال العمليات العسكرية (ما عدا سقوط الصاروخ على العمارة وجوارها، وهو تحضير لحدث أهم بكثير من سقوطه، وهو نصب سرادق الرعب) إنما الحرب حاضرة في سياق الرواية من خلال معاناة البشر اليومية، بدأ من نقص المواد الضرورية كالدواء والغذاء وأقلام الكتابة (في بلد الكتابة والألوان) في بلد اللون الفن، وغياب الخدمات لانقطاع التيار الكهربائي المستمر، وطوفان مجاري مياه الصرف في العمارة، وصولاً إلى الإهانات التي يعانيها العراقيون في نقطة التفتيش الحدودية في الرويشد الأردنية، المنفذ الشرعي الوحيد لخروجهم إلى العالم في هجرتهم القسرية، نحو معاناة جديدة ومن نوع آخر.
تعتبر «الغايب» من أدب زمن الحرب، وليس من أدب الحرب احتجاج مستتر من خلال سرد مفصل لما سببتها للعراقيين من عذابات تصلح أن تكون مرجعاً لتعدد وإحصاء وفهرسة آلام وأوجاع الحرب والحصار. ول بهذا تسجل موقف واضح حول رأيها بالحروب، من دون الدخول في نقد أسباب اندلاعها أو لوم مسببيها. وتحميلهم مغبة نتائجها، فالمحصلة واحدة وهي عذاب ومعاناة البشر، بل الأدهى من ذلك فقدان مقومات الوطن. يبتعد تسجيل هذا الموقف عن المباشرة السهلة، وبالتالي الارتفاع بمستوى الاحتجاج، ومن ثم تحديد مستوى الجهة المخاطبة المتلقية لهذا الاحتجاج، ارتفاعاً بالمستوى السردي للأحداث، وانطلاقاً في تأليف ورسم صور لأحداث على الرغم من قتامتها إلا أنها ساخرة ومعبرة عن مضمون قوي متكامل فيها نوع من نقد وجلد للنفس.
يحضرني هنا أدب جماعة ال ٤٧ الألمان التي تأسست لتصحيح الخلل الذي عم الثقافة الألمانية خلال الحكم النازي قبيل الحرب العالمية الثانية. وعلى الخصوص في «طبل الصفيح» لغونتر غراس (أوسكار في «طبل الصفيح» يتلصص من تحت الطاولة للتفرج على التحرش الجنسي وكذلك دلال تسترق السمع من المطبخ كلما قاما أم وأبو غايب بممارسة طقوسهم الزوجية) ، للـ «غايب» خصوصية بغدادية في لغتها وأحداثها - مكاناً وزماناً - لغتها عربية سلسة جميلة عراقية فصيحة، نعم فصيحة تتميز عن غيرها، تخلط بين الجد والهزل والسخرية، لغة سائدة تساعد العراقيين على التعايش اليومي مع آلامهم مختلفة، نقدية احتجاجية تتعدى حدود الهزل.
اكتشفت مؤخراً وبسبب الحروب الأخيرة، هو أن مثقفي العرب بعيدين عن معرفة مكونات خصوصية العراق، لدرجة أن أحد أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت سأل طيب الذكر د عبد الرحمن منيف، عند زيارتنا له قبل وفاته بأسابيع، سأله: فيما إذا للعراق والعراقيين هوية محددة؟ كان جواب أبو ياسر هو: "حتى العبير في بغداد له خصوصيته، يختلف من صوب لآخر، كرخياً أم رصافياً، خصوصيات متنوعة مجموعها تكون الهوية"، من هنا تأتي خصوصية ال «غايب»، شخصياتها تختلف مشاربهم وخلفياتهم، ومن ثم اختلفت حكاياتهم وسوالفهم، جميعها انصهرت في بوتقة المكان، وهو "عمارة أم مازن في ساحة الفردوس التي كانت تسمى بساحة الجندي المجهول السابق، والذي هدم وغاب للأبد، ثم احتضنت نصب القائد الضرورة والذي غاب هو أيضاً - النصب - للأبد.
في الـ «غايب» نرى المتعاكسات المتناقضة مختلطة، فالجد بالهزل - سخرية - والعلم والثقافة بالجهل والواقع بالخيال والمثابرة بالكسل والعافية بالمرض (حيث الجميع مصابين بعلة ما، صدفية، سرطان، وتشويه في الوجه وغازات في الجهاز الهضمي، وتخلط البراءة بالخسة والخيانة، والحب بالكره حسب وصف سعد للعلاقة بين أبو وأم غايب).
السرد في «الغايب» مشوق جداً فالحدث يصلنا بالتقسيط، نهايته في بداية المتلقي مخول ببناء وتأليف الحدث حسب هواه وتصوره الخاص، أفقاً آخر للتخيل على غرار الاستمتاع بالعمل الفني التشكيلي، فمنذ البداية ومن الصفحة الثانية، نبدأ بكنس القشور، نتساءل أي قشور؟ قشور البيض أو البرتقال إلى أن نصل في نهاية هذا الجزء من السرد لنكتشف أنها قشور داء الصدفية المزمن المبتلى به أبو غايب. هذا الأسلوب المشوق في السرد سائد في متن الرواية مما جعل عنصر التشويق حاضر وباستمرار، تؤكده السخرية اللاذعة القاتمة للراوية دلال، سخرية مستمرة حتى في أحلك المواقف قتامة، كوصفها لأثر استئصال ثدي إلهام المتسرطن بخيط تطريز.
الرواية بحد ذاتها سرد لأحداث وتسجيل لحالة البلد في زمن معين، تتخللها حكايات لأزمان مختلفة مستقات من التكوين الخاص بالمجتمع العراقي، مع الاستعانة بالسوالف المتوارثة والمتناقلة جيل بعد جيل، البناء السردي المتدرج هذا وفر إمكانية التقطيع من دون المس بجوهر الرواية، التقطيع على غرار حركة السينما الفرنسية "Noir et blanc" والإنجليزية "Kitchen sink drama" وأفلام المخرج "Peter Greenaway", وبالأخص في فلمه "Prospero's Books" حيث التقطيع في هذا العمل يشمل تقطيع الإطار الواحد للصورة الشاشة، تقطيع للبرهة الزمنية الواحدة عملية التفكيك هذه (كما سماها جاك دريدا) أضفى على الرواية صفة أدبية معاصرة، والعملية هذه غير دخيلة على الأدب العربي قديما وحديثاً، فالتقطيع والتدوير سائد في الشعر العربي وبالتحديد في شعر التفعيلة المعاصر, وخاصة في رسم وتتالي الصور الشعرية، من هنا تمازج المحلي بالعالمي، مرتفعاً بمستوى العمل أدبياً، فارزاً لنفسه موقع ضمن تصنيف وفهرسة الأدب الإنساني المعاصر، على غرار أدب إمريكا اللاتينية الحديث.